الشاعر موقف وفكرة (1)
23 يناير 2010 | كتبه busanad
.jpg)
.
منذ أن بدأتُ في عالم القراءة الواعية والموجّهة، وأنا معجب بالشاعر الإسلامي عبد الرحمن العشماوي، وقد يكون سبب الإعجاب راجعا إلى سلاسة عباراته وتركيباته الشعرية، لكن السبب الأرجح في إعجابي، هو أن العشماوي لدية قدرة عجيبة في صياغة القضايا الفكرية والمواقف السياسية، وإبداء الرأي العميق فيها في قالب شعري بليغ تطرب له الآذان.
.
ربما ليست لدي الأهلية للنقد الأدبي، وتقييم أبيات الشاعر وفق أصول النقد ومناهجه، ولكن يكفيني شخصيا أن أستمتع وأطرب أدبيا وفكريا مما أقرأه من أبيات هذا الشاعر.
.
هناك قضايا مرت على الأمة لم ننتبه لها إلا مؤخرا، استطاع العشماوي في وعيه المبكر أن يُبدي رأيا واضحا فيها من خلال أبيات شعرية
.
فعلى سبيل المثال، قضية حلبجة، وهي المنطقة الكردية التي رماها صدام حسين بالغازات الكيماوية فأبادها بكل ما فيها من نساء وأطفال وشيوخ.
.
.
.
.
وكنا في ذلك الوقت في الخليج عامة وفي الكويت خاصة نبرء صدام من هذه الجريمة، ونتهم إيران بفعلها، نتيجة ارتمائنا في أحضان العراق، ولكن بعد 2-8-1990 توجهنا بالتهمة مباشرة إلى صدام واعتبرناه سفاح حلبجة!! لماذا تغير هذا الموقف رغم عدم تغيّر المعطيات! لأننا كنا نتبع المصلحة وليس المبدأ، لأن المبدأ يقول بأن صدام مجرم سواء غزا الكويت أم لم يغزها، أما منطق المصلحة والذي -للأسف- اتبعناه في الخليج فهو أننا إذا لم نكتو بنار صدام فإنه يمثل لنا حارس البوابة الشرقية، أما وقد اكتوينا بناره فإنه يصبح المجرم السفاح!!
.
نعود إلى الشاعر عبد الرحمن العشماوي الذي أبدا موقفا في ذلك الوقت واضحا وصريحا معارضا الرأي العام السائد، وذلك في قصيدةٍ رائعة بعنوان “رسالة حزن إلى حلبجة” وقد كتبها في شعبان 1408، وهي إهداء إلى “أولئك الأطفال الذين جمّدت أجسادهم الطاهرة غزات صدام“
.
في بداية قصيدته ينعى السكوت الرهيب الذي لف الأمة حيال هذه الجريمة البشعة، حيث يقول:
.
ألوفٌ طواها الموت، والصمت قابعٌ *** وأمتنا ترنو إليكِ وتسمَعُ
وتسكتُ، لم تنطق بإنكار منكرٍ *** أليس لها في منهج الله مرجعُ
إذاعات قومي لم تُحدّث بما جرى *** ولم نر شهما بالحقيقة يصدعُ
ويؤلمني صمت الصحافة، لا أرى *** بها كاتبا حُرّاً إلى الحق يَنزعُ
.
ثم يتساءل باستنكار واستهجان عن هذا الصمت فيقول:
.
أُسائل عنهم، كيف ماتت قلوبُهم؟! *** وكيف على هذا التخاذل أجمعوا؟!
ألم يُبصروا الأطفال حين تجمّدوا ؟! *** ألم يُبصروا الآلام التي تتوجعُ ؟!
ألم يُبصروا الشيخ الذي مات واقفا *** يصلي لرب العالمين ويخشعُ ؟!
.
ويستمر في تصوير صمت القبور الذي اكتنف الأمة، وكأن لسان حاله يقول بأن جريمة الصمت لا تقل بشاعة عن جريمة القتل والإبادة، فيقول بلسان المقال:
.
ألوفٌ طواها الموت، والصمت حولها *** رهيبٌ، ووجه المستبدّ مبرقعُ
ألوفُ، وقومي يبلسون ثيابهم *** طوالا، وثوب الطفل فيك مرقّع
ألوف، وقومي تائهون كأنهم *** قطيعٌ من الأغنام في الذل يرتعُ
.
وأخيرا.. يُحذر الشاعر من مغبة هذا الصمت عن المنكر العظيم الذي حصل، فيقول:
.
أنحسبُ أن اللهَ يُمهل خلقَهُ *** إذا فرّطوا في الصالحات وضيّعوا ؟
ستلقون ياقومي جزاء سكوتكم *** عن الظلم، إن السيف بالسيف يُقرَعُ
.
ياتُرى.. هل تحقق ما حذّر منه الشاعر الواعي ؟!
.
وإلى المزيد ..
.
تحياتي
.
بوسند






.




