الصوفية والسلفية.. بين القصور والقبور.
3 ديسمبر 2009 | كتبه busanad
.
.
باعتقادي أن جوهر السلفية يكمن في تحرير العقل من ربقة التقليد الأعمى، وتخليص النفس الإنسانية من الهالة المصطنعة حول تراث السابقين، وإزالة الحواجز والحُجُب المتمثلة بالقبور والأولياء والتمائم والاستغاثة، والتي تقف حائلا بين الإنسان بين الاتصال المباشر بربه تعالى.
.
كما أن جوهر الصوفية الحقة يتمثل في تحرير النفس الإنسانية من نوازعها وحظوظها، وسائر العوالق التي تنطبع في القلب نتيجة مخالطته للأغيار، والانغماس في هذه الدنيا، فهي تدعوا إلى تطهير القلب من أدران والأدواء التي تُقيّد القلب وتقعيق سيره في سلوكه إلى مولاه، فيتحرر من الأكوان ليكون مع المكوّن، وينعتق من الوجود ليكون مع أكمل موجود.
.
إذن فالحرية هي جوهر المَسلَكين؛ ولكن مع طول الأمد وتركم الرواسب التي يحدثها الزمان والمكان والإنسان، درس ذلك الجوهر، وتبدلت معالمه، ليصل به الأمر إلى نقيض مقصوده، حيث تحوّلت الحقائق إلى أشكال، والمضامين إلى شعارات وطقوس، وتم اختزال الجوهر النقي في مجموعة قضايا يُدار حولها صراعٌ مريرٌ، ومعارك عقيمة، لا تُنتج إلى مزيدا من الشروخ في الشعور والوجدان الإسلامي.
.
لقد دارت معارك طاحنة بين الطرفين حول القبور وتشييدها، والبناء عليها، والتوسل والاستغاثة بأصحابها، والطواف حولها، والذبح لأربابها، واستُعملت في هذه المعارك كل أسلحة التكفير والتفسيق والتبديع، ووجَّه كل طرف إلى الآخر سيلا من الاتهامات ليس لها نهاية.. كل ذلك من أجل القبور!!
.
ففي الوقت الذي يُعاني فيه أحياء هذه الأمة ويلات الاستبداد الداخلي، والاحتلال الخارجي، والانحطاط الحضاري الذي يتمثل في مختلف الأمراض والأوجاع التي تفتك في جسد هذه الأمة، نرى أصحاب هذين المسلكين يتصارعون حول الأموات.
.
وقد أدرك الشاعر حافظ إبراهيم هذه الحقيقة، نتيجة ما رآه من أوضاع بائسة عايشها في مصر، فقال:
أحياؤنا لا يُرزقون بدرهم *** وبألف ألف يُرزق الأمواتُ
من لي بحظ النائمين بحفرة *** قامت على أحجارها الصلواتُ
يَسعَى الأنامُ لـها ، ويَجري حَولَها *** بَحْرُ النُّذورِ ، وتُقْرَأ الآياتُ
.
المفارقة العجيبة هي أن أرباب هذين المسكين في الوقت الذي يختلفون فيه على أهل القبور نراهم متفقين على السير في ركائب أهل القصور، فلقد انتهى الأمر بالسلفية إلى خلع صفة “ولي الأمر الشرعي” على كل مستبد وطاغية مهما كان، وأصبحوا يُعبّدون الناس له ويسوقنهم إليه بسياط الشريعة.
.
وانتهى الأمر برموز الصوفية إلى مداهنة الطغاة ومجالستهم، وإقامة مجالس الأذكار في قصورهم، بحجة أنه تعالى “أقام العباد فيما أراد”، فالله أقام الحكام للحكم، وأقام المؤمنين -الذين يُسقطون التدبير عن أنفسهم- للعبادة والذكر، وأن منازعة هؤلاء تعني طلب العلو في الأرض والفساد، فتم تحوير أفكار المسلكين للتماشى مع أرباب القصور.
.
هكذا اختلف السلفية والصوفية على أهل القبور، واتفقوا على أرباب القصور.. فبئس الاختلاف وبئس الاتفاق
.
ملاحظة: حتى لا تقع في التعميم، فمن الضروري التنبيه على أنه لا يزال هناك من يحافظ على الجوهر النقي في كلا المسلكين.
.
_________________________________________________________________

.
في فعالية جديدة لحملة “ارحل..نستحق الأفضل” يقيم المحامي فيصل اليحيى ندوة بعنوان “نبيها علنية” بمشاركة: أحمد السعدون، د.فيصل المسلم، محمد عبد القادر الجاسم، عبد الرحمن العنجري، خالد الفضالة.
والجميع مدعو للحضور.
.
تحياتي
.
بوسند

رائع .. النظر الى العمق و الاساس الذي قامت عليه المذاهب للوقوف عند “كيف انحرفت عن جوهرها” ..
في الحقيقة و انا أقرأ سطورك تذكرت قصة طريفة
)
ان امرأة كانت تقطع اطراف السمك قبل ان تضعه في المقلاة للطبخ و عندما سألوها لماذا ؟ قالت : هكذا كانت تفعل أمي؟ و عندما سألوا الام : قالت لاأعرف لكن هكذا تعلمت صنعه من امي ! حتى وصلوا الى الجدة و اتضح أن الجدة الفقيرة كانت تملك مقلاة صغيرة لا تتسع لكامل السمك و هذا ما جعلها تقطع أطرافها ..
أعتقد ان هناك وجه شبه كبير بين القصة وبين (بعض) اتباع تلك المذاهب
العين
أهلا بك
نزعة التقليد الأعمى في الآراء والمذاهب نزعة مذمومة شرعا “إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون” وقوله تعالى “إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثراهم لمهتدون”
قال ابن الجوزي: في التقليد إبطال لمنفعة العقل (تلبيس ابليس)
شكرا لمرورك الكريم
تحياتي
مقال رائع وجميل تشكر عليه .. وأهم شيء أن ناصر المحمد داخل بالموضوع ، أخاف الصوفية يسون مجالس ذكر عند ناصر المحمد
ما شاء الله
لا حرمنا مداد قلمك …. ولا سيل أفكارك :>
جميل عرض نقاط الاتفاق في الجوهر خصوصا بين أشد التيارات المعاصرة صراعا …
وأعجبتني العبارة الأخيرة جدا ((اتفقوا في أهل القبور واختلفوا عند ارباب القصور ))
لافض فوك …
واقتراح على استحياء : كتابة ولو تسلسل بسيط عن انحراف هذين التيارين و اظهار البعد الكبير عن جوهر وأصل مايدعون ….
فقد كثر المدعون وغيبت الحقائق عن كثير من المغرر بهم ….
وشكرا للك :>
موضوع رائع وممتاز ولكن لنفرق بين الصوفية والتصوف والسلفية والأخوان المسلمين والأصولية والإخبارية والزيدية والإسماعيلية والحنفية والمالكية لكي نعطي الموضوع حقه ..
فالحقيقة موجودة ولكن البشر لم تبحث عنها ومشايخنا وإئمتنا فرقوها ودفنوها ونصبوا أنفسهم مكان الحقيقة ..
وشكراً لك
فيتامين
أتمنى أن أكون صديق في مدونتك
المحامي..
لا تستبعد على ناصر المحمد فهو يشتري كل شيء.. وآخرها “حركة التصحيح الإسلامية” (حتس)
هل سمعت عنها ؟
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
حمد ..
أهلا بك
طلبك على العين والراس.. وشكرا لمرورك الكريم
ولك التحية
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
فيتامين
يشرفني أن تكون صديقا دائما للمدونة ..
ولك التحية والإكرام