الملحدون.. وعقلنة اللامعقول
7 يناير 2010 | كتبه busanad

.
عندما كنت أقرأ بعض الأوصاف التي يطلقها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله على الملاحدة مثل : الجنون .. الغباء .. المرض النفسي .. كنت أعتقد أن في ذلك قسوة و نوع من المبالغة في الأوصاف البعيدة عن العلمية ..
.
ولكن لما أتيح لي الاطلاع على شيئ من الفلسفة و إن كان بسيطا أدركت أن الغزالي كان معذورا بإطلاق هذه الأوصاف ،وأنها ليس ببعيدة عن الواقع ..
.
لقد حاول الكثير ممن انتهج الإلحاد طريقا أن يضفي عن نهجه صبغة العقلانية و حب الفلسفة حتى صارت الفلسفة عند الكثير هي قرينة الإلحاد، وأصبح كل من يطلق لسانه في التشكيك هو الفيلسوف وهو المتحرر من أسر التقليد وثقافة المجتمع بينما الفلاسفة الكبار على اختلاف مشاربهم وذهابهم، اعتبروا وجود قوة عليا وخارقة من القواطع عقلية والأمور البدهية والقضايا اليقينية التي لا يستطيع العقل تصور عدمها، وإن اختلفوا في تصورهم لهذه القوة، إلا أنهم اتتفقوا على أصل وجودها، قد أسهب نديم الجسر في كتابه ( قصة الإيمان ) في إثبات هذا الأمر بالشواهد و الأدلة الكثيرة .
.
إن الشك و التشكيك يحصل من أقوام تعلقوا بقشور العلم و الفلسفة، ولم يَلِجوا بعقولهم إلى أعماقها، لذلك فإن الذي يتعمّق في الفلسفة على أسس صحيحة فإنه يشعر بأنها بحر كبير، و لكنه يختلف عن باقي البحور، لأن راكبه يجد الخطر و الزيغ على ساحله وشاطئه ، بينما يجد الأمان و الإيمان في أعماقه ..
.
الشك هو أول مراحل الفلسفة و ليس منتهاها.. لكن الكثيرين يظن أنه الغاية و النهاية، فيقف عند هذه المرحلة ،ويرى أنه هو الفيلسوف صاحب العقل الفلسفي الحر، ثم يبدأ في محاولة لفت انتباه من حوله عبر أسئلته التشكيكية لكي يحاول أن يثبت لنفسه و للآخرين أنه صاحب تفكير حر .. و لا يعلم أنه يسيء للعقل باسم العقل ..
.
من مواضيع الفلسفة البحث عن أصل هذا العالم وما قبله وما بعده ومُوجده و صفات الموجد حقيقة صفاته، والبحث عن الإنسان وحقيقته، وماهية عقله، وكيف إدراكه للأمور، و ما هي دلالة ما يصل إليه من حيث الظنية و القطعية ، وكذلك البحث في الجمال ونسبيته، والخير و الشر وماهيتهما، و الحق وحقيقته … و غيرها من مواضيع و أسئلة
.
و بذلك يمكن ان نلخص القول بأن الفلسفة قد استقرت على ثلاث مجالات رئيسية :
1- فلسفة الوجود : و هي تبحث في الكون و علته، و سائر الموجودات وحقائقها وأصلها وعلتها وخالقها وصفاته ..
2- فلسفة المعرفة: وهي تبحث في العقل و كنهه، وقدرته، وكيفية حصول المعرفة، ووسائلها، وكيفية تشكلها ،و ما يصاحبها من مكدرات وعوائق تحول بين عقل الإنسان وبين وصوله إلى الحقيقة.
3- فلسفة القيم: وهي تبحث في حقيقة الخير و الشر و الجمال و القبح و ما إلى ذلك
.
إن صنفا كبيرا من الذين يخوضون في الفلسفة و يصلون إلى الإلحاد – في الغالب – يخوضون فيما يتعلق بمبحث ( فلسفة الوجود ) و لا يخرجون عنه، فيشككون بالخالق وبكل ما وراء العالم المحسوس، وسبب هذه الحالة التي يصلون إليها هي: أنهم خاضوا في بحار ( فلسفة الوجود ) بعيدا عن مبحث ( فلسفة المعرفة ) التي تعرّف الإنسان بعقله وحدوده، والتفكير وآلياته، وما هو قطعي عنده وما يستحيل عنده ، فمبحث ( المعرفة ) يعتبر خادما لمبحث ( الوجود ) لا ينفصل عنه و لا ينبغي يُخاض في الثاني قبل إستيعاب الأول، و إلا فإن المصير المحتم هو التيه و الضياع، ومن هنا نفهم قول الرازي :
.
نهاية إقدام العقول عقال *** و أكثر سعي العالمين ضلال
و لم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل و قالوا
.
فالبداية العوجاء في الولوج من هذا الباب ستكون نتيجتها الحتمية ضلال و ضياع و حيرة .. تنتهي بالإنسان إلى الإلحاد
.
يقول الشهرستاني :
لعمري لقد طفت المعاهد كلها *** و سيّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر *** على ذقن أو قارعا سن نادم
.
إن الكثيرين يخوضون في شكوكهم حول الذات الإلهية – مثلا – و يملؤون الأرض بضجيج أسئلتهم وصخب أفكارهم و يُطيلون الجدال و النقاش حول هذا الموضوع، وربما تمتد بهم الأعمار و هم لا يزالون في حيرتهم، بينما لو اطلعوا على ( فلسفة المعرفة ) و عرفوا ماهية العقل وكيف يقوم بأداء وظيفته لانزاحت عنهم تلك التشويشات؛ لأنهم سيعرفون ماهية العقل و حدوده، فيتعاملون معه على وفق تلك الحدود و لا يزجون به في غير مجاله
.
المفارقة العجيبة في هذا الموضوع أن أغلب هذه النوعية قد أقنعت نفسها أبنها هي صاحبة العقل الكبير، و لفهم الراجح و يصفون أنفسهم ( بالعقلانيين ) وربما (التنويريين) و يُطالبون مخالفيهم بأن يكونوا ( عقلانيين ) و أن يحترموا ( العقل ) .. لكن ذلك كله تمويه يدحضه أدنى تنبيه، و ما هي إلا دعوات عريضة هم أبعد الناس عنها، حيث أنهم لم يعرفوا العقل و لم يتعرفوا عليه إلا من خلال بعض الأسئلة التي ترِد في خواطرهم و لا يجدون إجابة عليها ، فجعلوا من هذه التساؤلات علامة على العقل الذي هم أجهل الناس به ..
.
و كثيرا ما يرِد على ألسنتهم عبارة ( هذا مخالف للعقل ) و يجعلون من عقولهم القاصرة و التي حُجب نورها بكثرة الدخائل عليها حَكَما على إثبات القضايا و نفيها، في المقابل لا تجد أكثرهم يعرف ما معنى ( الاستحالة العقلية ) و الفرق بينهما وبين (الاستحالة العادية)؟ ، و ماذا يعني ( الإمكان العقلي )، وما هو الفرق بين التعقّل والتصوّر؟ و إنما تصوروا العقل صورة على خلاف ماهو عليه، وحكموا من خلاله بأحكام هزيلة لا تصمد أمام أي برهان عقلي صحيح .
.
إن الولوج الحقيقي إلى مبحث المعرفة يكون في البداية عن طريق علم المنطق الذي ينظّم شئون التفكير، ويحدد مساراته الصحيحة، يقول الاخضري في منظومته المعروفة في علم المنطق و المسماة ( السلم المنورنق ) :
.
و بـعـد ، فـالمنطق للجنان *** نـسـبـتـه كالنحو للسان
فيعصم الأفكار عن غي الخطا *** و عن دقيق الفهم يكشف الغطا
.
و قد خُدم هذا العلم خدمة جليلة و اهتم العلماء به تصنيفا و تأليفا ، و تنقيحا و تحقيقا، ولم يوضع هذا العلم إلا ليضبط حركة العقل ،و يحدد مساراته الصحيحة، ويحميه من الانحراف عن جادة الصواب، بعد أن أساء البعض إليه مثل السفسطائيين الذي لا يختلفون على ملاحدة العصر الحديث في الاستخفاف بالعقل باسم العقل.. فلا العقل نصروا .. و لا الحق كسروا
.
خلاصة القول .. إن القفز إلى مباحث الوجود دون المرور على مباحث المعرفة هو قفز نحو الهاوية …
.
وعذرا على الإطالة
.
تحياتي
.
بوسند

قد اختلف معك
بس مقالة جميلة تشكر عليها
رحم الله من عرف قدر عقله فوقف عنده ..
أتصور أن هناك إشكالية كبيرة في وضح حد فاصل لحدود العقل ، فحتى أهل الإسلام ذاتهم اختلفوا في حد العقل .. وكثير من الفرق أساس وجودها هو الخلاف في حد العقل
مقال رائع تشكر عليه
مقالة تستحق المناقشة و التحاور رغم اختلافي معك في العديد من جوانبها
تحياتي
أحسنت ..
لم أر يوما أن البقاء في دائرة الشك .. أمر مقبول او دليل على عقلانية .. بالرغم من ان كثيرين يدعون الى ذلك بحجة تحرير العقل .. بل هو مثل زجه في صحراء بلا زاد
استفدت من هذه التدوينة .. أحببت فلسفة المعرفة
اعتقد انه لا يوجد فرق بين فلسفة المعرفة و علم مهارات التفكير الذي يفسر كيف يبني الانسان قراراته و يتعامل مع خبراته و معتقداته … و يناقش قدرات الانسان العقلية على الاستنتاج و المقارنة والنقد و وضع المعايير و طرح الفرضيات و غيرها من مهارات التفكير
قرأت بعض المقالات للملاحدة , واطلعت على بعض مدوانتهم , ولكن لم أقرأ بعد كتاباً من تأليف أحدهم
ولكن في كل مرة كنت أصاب بشلل عقلي عندما أحاول تحليل نفسياتهم وطريقة تفكيرهم
وما توصلت له انتهاءً , أنهم ولابد يعانون من انفصام حاد في التفكير !
حمداً لله أن هدانا إليه , ونسأله أن يرحم عقولهم من أفكارهم
شكرا على الموضوع
http.//utopia-666.over-blog.com
الحمد الله ..
مقالة رائعة وجيدة وتستحق النقاش ..!
يابوسند ذكرتني فيهم وفي نقاشهم العقلاني وكأنهم فلاسفة والحقيقة هم غير ذلك ,لإنهم يعتمدون على وجهة نظر آحادية أي نظرة واحدة وليست عدة نظرات , وبما أنهم يؤمنون بالعقلانية وينفون أساطير الأنبياء ع التي بالقرآن كقضية موسى ع وفلق البحر وقضية نطق عيسى ع في المهد وقضية سليمان يطير بالبساط وقضية عرش بلقيس وأخير يطالبون دليل لوجود الإمام المهدي عج وكل هذه القضايا يريدون منا دليل ملموس وحسي ومنطقي ..!
طبعاً أنا أقول لهم المسائل الغيبية لها تفاسير واقعية ولكن أثباتها يريد منا أولاً الإعتقاد وبعدها الواقع يكون لإن المسألة إذا لم تكن فيها إعتقاد فأنها لا تصلح وسؤالي لكم أيها العقلانيين وبنفس الطريقة هل سقراط شخصية حقيقية وكيف نثبتها بالدليل الملموس والحسي والواقعي ..؟
طبعاً سقراط لم يكتب ولم يقرأ في حياته فكيف أصدق أفلاطون بأنه موجود وأفلاطون على عبر التاريخ كان يحلم أشياء ويوهم نفسه بأنها حقيقة كحلم المدينة الخالدة وأيضا بإنه تتلمذ على يد سقراط وأن سقراط حاكموه ووو فهل هذه الشخصية موجودة ..؟
وشكراً لك
مطقوق
أسعدني مرورك..
شكرالك
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
المحامي
للعقل قوانين قاطعة متفق عليها بين عقلاء البشر، وهي ما تسمّى بالقواطع العقلية..
تحياتي لك
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
اكزومبي
الاختلاف لا يفسد للود قضية.. وأهلا بنقاشك دائما
شكرا لمرورك
العين
نعم أظن بأن بينهما اتصال وثيق، فالدكتور عبد الكريم بكار في كتابه “فصول في التفكير الموضوعي” تطرق لعلم المنطق وعلاقته بمهارات التفكير..
شكرا لتعليقك القيم
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
إيلاف..
الحمدلله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
شكرا لمرورك
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
أبو النجا
يسعدني مرورك الكريم
تحياتي
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
فيتامين
تعليقك مثرٍ ورائع
شكرا لك
لا شكر على واجب…
أرجو أن تزور المدونة المذكورة…
http://utopia-666.over-blog.com
شكرا…
free friend adder…
This enables authors to keep track of who is linking to, or referring to their articles.) Some individuals or companies have abused the…