تقاطع القطعيات
13 أبريل 2010 | كتبه busanad

.
استمتعت بحضور الندوة التي أقامها مركز التنوير عن نظرية داروين، وكذلك الحلقة النقاشية التي عُقدت يوم أمس الأربعاء 6-4-2010، في نفس الموضوع وزاد استمتاعي لجلوسي بجانب الزميل العزيز (مطقوق)، الذي لم يتوقف عن قفشاته الخفيفة طوال الجلسة.. وعندما رفعنا أيدينا للتعقيب كان الوقت قد انتهى، لذلك أضع تعليقي هنا..
.
كان هناك هجوم شرس على أي محاولة للتناول الديني لهذه النظرية، وذلك بحجة أن الدين أمر روحي يعتني بالعلاقة الشخصية بين الإنسان وخالقه، وأنه لا علاقة له البتة في القضايا العلمية، وذُكرت في هذا السياق العديد من المغالطات التي لا مجال لتناولها بالرد هنا.
.
كان واضحا من الهجوم على التناول الديني لهذه النظرية أن المتحمسين لها يُسقطون ما في الدين المسيحي من روحانيات وأمور مخالفة لقطعيات العقل على الدين الإسلامي، ويتعاملون معهما بمسطرة واحدة، وهذا بحد ذاته موقفٌ غير علمي. كما أن هناك عدمُ إدراك للأسس المعرفية للعقل الإسلامي والتي بناها القرآن الكريم، الذي قال الله فيه عنه : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأُخرُ متشابهات } فالقرآن الكريم الذي هو في اعتقاد المسلم أنه قطعيّ الثبوت، يحتوي على آيات منها ما هو المحكم وهو الذي اتضحت دلالته بحيث تكون قطعية على المعنى المراد، فلا تقبل التأويل، وهذا القسم لا يمكن أن يخالف القطعيات العقلية أو العلمية. كما أن في القرآن المتشابه وهو الذي خَفيت دلالته، بحيث يكون محتمل الدلالة على خلاف الظاهر، ويتبع ذلك اختلاف في تعيين المراد، وهذا القسم من القرآن يمكن أن يخالف في معناه الظاهر شيء من الأدلة القطعية أو العلمية، وهنا يمكن اللجوء إلى التأويل الذي له قانون ينظمه، وقواعد ينبغي التزامها، مع مراعاة عدم اللجوء إلى التأويل إلا إذا قام دليل قطعي على ما يتناقض مع ظاهر المعنى المتبادر.
.
إن أصل الإيمان عند المسلم لم يُبن على الوجدانيات، والروحانيات، فهذه أمور تأتي تبعا، وإنما بُني في أساسه على قطعيات عقلية يقينية، مبنية على الاعتقاد القطعي العقلي الجازم بحدوث الكون من العدم، وبالتالي حدوث المادة التي نشأ منها الكون، ويلزم من الاعتقاد بحدوث المادة أنها مفتقرة ومحتاجة إلى محدث، وأن هذا المحدث لا يمكن أن يكون حادثا وإلا لزم التسلسل، وهو من المستحيلات العقلية، بل يلزم منه أن يكون قديما، والمادة لا يصلح وصفها بالقدم لأنها تحمل صفات الحوادث من حركة وتغير وجسم.. إلخ (وبالإمكان الرجوع إلى كتب علم الكلام للاستزادة من مسألة القِدم والحدوث، مثل: شرح المقاصد للتفتازاني (2/7)، وكتاب بداية الحكمة للسيد محمد حسين الطباطبائي.. )
.
إن الاعتقاد بحدوث المادة يتقاطع مع الاعتقاد بأن المخلوقات تكونت من المادة بواسطة الحركة التي ليس لها سبب إلا نفسها، فالعقل الإسلامي يرفض أن يعتقد بأن الحياة مصدرها التولّد الذاتي، الذي يلزم من القول به “التسلسل”، أو حصول “الرجحان بدون مرجّح”؛ لأن هذين الأمرين – وحسب الأحكام العقلية القاطعة – مستحيلان، لايمكن للعقل تعقّلهما فضلا عن تصورّرهما.
.
كما أن الاعتقاد بأن الحياة انبثقت من المادة بطريق الصدفة عبر تجمع أجزاء المادة وحركتها الذاتية التي نشأت عنها العناصر الأصلية أمر لا يمكن للعقل الإنساني – فضلا عن الإسلامي- أن يتعامل معه بعلمية وعقلانية؛ لأن ثبوت القصد والحكمة – الذي تنطق به كل ذرة من ذرات الكون – يناقض وينقض احتمال الصدفة.
.
وأتساءل هنا – كما تساءل نديم الجسر من قبل – هل الأهون على العقل السليم أن يعتقد بأن كل ما في العالم من نظام وإبداع هو أثر لاجتماع المادة العمياء؟ أم الأهون عليه أن يصدق بأن ما في الكون من إحكام هو بإرادة مريد قادر وحكيم؟
فالمسلم عندما يرفض نظرية داوين باعتبارها حقيقة قطعية، فهو منسجم مع عقله ومع إيمانه الذي جاء نتيجة لمنظومة معرفية يحتل فيها العقل موقعا مركزيا، لا يسمح فيه بتقاطع القطعيات، لذلك فلاينبغي المزايدة على العقل والعلم في هذه القضية، كما ينبغي لمن يستخف بالتناول الديني الإسلامي لنظرية داروين أن يتعرّف بعمق على جذور الرفض وعلى بنائه المعرفي المتكامل.
.
تحياتي
.
بوسند

الحمد الله ..!
صديقي وعزيزي بوسند حمد الله على السلامة ..!
مشتاقين لك ولمواضيع المعرفة ..!
بخصوص من أقام الندوة صحيح العلم نحتاجه والتثقيف أيضاُ نحتاجه ولكن ما لا نحتاجه هو الإستبداد الفكري والعنصري من الأخوة , وصدقني وثق بكلامي فهم يتهمون الدين بقسوة وكأن العلمانية هي الأمثل ومالطلقة والتي يعتبرونها هي المقدسة لهم , فدائماً يتهمون المتأسلمين بأنهم لايقبلون الحوار ولكن نرى أيضاً هم كذلك لا يؤمنون بالحوار ..!
المشكلة أنهم أنصدمو من ذاتهم فبدأو يلهثون وراء أفكار مستعارة ويريدون أن يكونو عقلانيين مثل أوربا , فيقارنون أفكار الأصولية الأوربية المستبدة بفئة متأسلمة مستبدة عندنا ويعممونها علينا جميعاً ويضربون الدين , كثيراً ما تناقشنا مع فئة من مركزهم وشاهدنا أفكارهم المتطرفة والمغالية والعنصرية وعدم تقبلهم لأي راي ديني …!
بوسند شوف موقعهم تنوير وسوف تعلم مدى صحة كلامي ..!
هم يقولون إن الأسلام مافي حرية ولم أجد في جميع الكتب الدينية تعبر عن الحرية , فإذا أتيت له بكتب وقلت هل قرتها يقوم بالمراوغة ويلف ويدور لكي يبعد عنه الحرج وكذبه بأنه قرأ الكتب جميعها ..!
بوسند هل تعلم أنهم يسرقون بحوث ومقالات الغير فيضعونها بأسمهم ..!
هل تعلم بوسند أن عقلانيتهم هي عقلية مستوردة من الغرب وفلاسفتها ..!
هل تعلم بوسند إنهم يدعون بقرائة جميع الكتب التاريخية وهم بالأصح لم يقرؤو إلا القليل ..!
هل تعلم بوسند إنهم يسلمون بمعلومة منقولة من أصدقائهم ولا يحاولون البحث عن صحتها بل يعتبرونها مسلمة مثال : يأتي شخص منهم فيقول الحجاب مو واجب ويأتي بنصوص ضعيفة فيسلمون له ويروجون لها الفكر بأن الحجاب غير واجب وفصبحون مثل الرادووو ..!
بوسند لو تريد أن أزودك عن أفكارهم لترى العجب العجاب فهم عقلانيين كلاسيكيين مجانين ..!
تحياتي
الغالي بوسند
كلامك راقي واحب ان اقرأه
السؤال
هل عندهم حجة او طريقه للدفاع عن فكرتهم غير المزايده على العقل الديني (الاسلامي) والتلويح بالزلات والاصطياد بالمياه العكره لتفاهات بعض من يدعون العلم الديني والاحاطه بجوانبه ؟
اك بعض مسوخ المشوه في عالمنا الاسلامي إلى الآن تعتقد بصحة خرافة داروين…
و لقد علمت علمت أن هناك دكتور للفلسفة في جامعة الكويت بنافح عنها ويزجر الطلبة الذين يعارضونه …..
بل و يضع صور لتطور الانسان تحاكي هذه الخرافة….
انا اللي استمتعت اكثر بالجوار اثناء الندوة يا بو يوسف
للإجابة على بعض تساؤلاتك و تساؤلات او اتهامات الاخوة المعلقين اقول
نعم يا بو سند نظرية تسلسل الاسباب و النتائج ستوصلنا في نهاية المطاف الى وجوب وجود “قديم” او محدث اول قام باستحداث بقية الموجودات , و هذا كلام منطقي
لكن الخلاف هنا هو على طبيعة و شخصية هذا القديم او العقل الاول
هل هو الله ؟ او للحياد هل هو اله ؟ و هل هذا الاله يرغب فعلا بالتواصل معنا عن طريق الرسل و الملائكة ؟ و هل بعد خلقه للكون العملاق يريد منا الصلاة و الصيام و عدم شرب الخمر؟
هنا الاشكالية يا صديقي , و اعتقد انك خير من يعلم بأن الخلاف ليس على وجود بداية أو مُبديء أوّل و لكن الخلاف على من هو هذا المبديء؟ و ان كان له هدف او لا من هذا العالم؟ و هل هدفه ما خلقت الجن و الإنس الا ليعبدون ؟ ام ان هناك هدف آخر ؟
تبقى هذه التساؤلات مفتوحة و باب الاجتهادات عليها مفتوح , و هذا بالنسبة لي نقاش صحي لكن الغير صحي هو اعتقاد اي طرف بأنه يملك الجواب النهائي و يمنع الآخرين من الاستمرار و التعمق في الاجابات
شكرا لك و انشاءالله لنا لقاءات مستقبلية
الأخ العزيز بو يوسف
بساطة ما تفضلت به لا يغفل عمق ما كتبته ورجاحته فجزاك الله خيرا على تبسيط أمور استعصت على عوام الناس امثالنا فهمها بسبب تعقيدات ما يطرحه المتجادلون حول تلك الأفكار .
أما بالنسبة لمضون الموضوع فأود أن أقول وبتطرق لما تفضل به الزميل العزيز بوسلمى : إن القطعيات المنطقية تثبت بما لا شك فيه المبدئ والمحدث ، فلا حادث إلا وقد سبقه قدم ، ولا قدم بوجود عدم قبله ، وبالتالي لابد من وجود أصل قديم تحار العقول في إدراك كنهه هو من أحدث الحوادث .
أما سبب هذا الإحداث فقد جاءنا نحن المسلمين بطرق عقلية منطقية وهي عبر الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، وهؤلاء الرسل لم نسلم برسالاتهم إلا بعد أن قامت الأدلة القطعية على وجودهم وصدقية ما أرسلوا به ، وهذا مبحث يطول مقامه ولعلك تتفضل أخي بوسند بالتطرق إليه بعد موضوعك الشيق الذي يثبت قطعية وجود المحدث سبحانه وتعالى .
الإخوة فيتامين، ومودماني، وعبد الله العبيد
شكرا لمروركم الكريم …
تحياتي
أهلا بك عزيزي مطقوق
وأنا سعيد لوجود نقطة مشتركة بيننا يمكن البناء عليها، وهي وجوب وجود موجود قديم له له قوة مطلقة، ومصدر سعادتي هي أن الكثير ممن يؤمنون بنظرية داروين لا يعتقدون بذلك، وربما يلجأون لتفسير انبثاق الحياة الأةلى بطريق الصدفة .. ولعل تعليقات بعض الحاضرين تشهد بذلك.
تساؤلاتك المشروعة تدخلنا إلى موضوع آخر سأحاول أن أتناوله هنا.. وهو موضوع (اثبات النبوة بالعقل)
عزيزي ربما أختلف معك في نقطة وهي أنه يحق للانسان الاعتقاد بأنه يمكلك جوابا نهائيا، ولكن لا يحق له أن يحجر على الآخرين حريتهم في البحث عن أجوبة.. ربما تكون نهائية
شكر لتفاعلك.. وأتمنى أن يستمر التواصل..
تحياتي
الطارق
أهلا بك ..
إذا كنت انت من العوام فماذا نقول نحن!
تعليقك قيم، وبإذن اله تكون لنا وقفات مع طرق إثبات النبوة ..
تحياتي
شكرا على التدوينة
كلام كبير، جزاك القدير الخير الوفير.
كسف يمكننا معرفة الفعاليات المستقبلية لـ”تنوير”؟
لقد صال الشيخ مصطفى صبري وجال مع الفلاسفة الغربيين في المجلد الثاني من كتابه “موقف العقل” في دحض كثير من سفسطتهم التي تسمى علماً، مع اعترافه بعبقرية كثير منهم وإعجابه بهم، وبين فيه اتزان العقلية والفلسفة الإسلامية وقدرتها على تفسير الأمور، والوصول إلى الحقائق، ببيان لا بد من دراسته بله الاطلاع عليه.
مع جزيل الشكر يا بوسند
ومعذرة على تطفلي
جميل الاستفهام الذي طرحته
[وأتساءل هنا – كما تساءل نديم الجسر من قبل – هل الأهون على العقل السليم أن يعتقد بأن كل ما في العالم من نظام وإبداع هو أثر لاجتماع المادة العمياء؟ أم الأهون عليه أن يصدق بأن ما في الكون من إحكام هو بإرادة مريد قادر وحكيم؟]
غلا..
حياك الله دائما
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
القطوية
لك الشكر والإكرام، والفضل والإنعام ..
تحياتي
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
الأستاذ عبدالله
شكرا على إضافتك القيمة جدا
نفعنا الله بعلمكم
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
مي
شكرا لمرورك الكريم
تحياتي
ولك الفضل، وما تأخري من إهمال ولكن شاقني لفظك وأبهتني بيانك .أما مولد هذه القضايا فمن الحيرة التي تطمس بصيرة المرء فترديه هاوية الهذيان, ومولدها من الشك ,والشك مطلوب فيماكان للإ نسان الإحاطة به ، قدرة أو علما, وليس للإنسان في الحدوث الأول من علم إلا بالخبر . وتعلم ما خلق عليه الإنسان من لفتات نحو الشواغل الأربع(اللعب واللهووالزينةوالتفاخر) وقداستولدوا هذه المقالات من هذه الأمهات . وأرادوا جوابا لأفراخ الحيارى في النشأة والرقي فوجدوا في الداروينية زينة ولهوا, وإلا فالفرضية مردودة لانعدام الُباعث واستحالت المصدق(الدليل) و جهل المراد وسبب الوجود ، فما يجدي إلا صدق الخبر وجلاء طلبه. والتهافت واضح في مقالهم،وهم يؤمنون بالمادة ، والصدفة والعدم ماهما بمادة ، فما نسب العدم إلا لأبيه العدم! إلا إذا كانت أمه (كن) ! وإذا ألقى كل عاثر حائر حبله فما أبقى لنا عصاإلا ماجاد به الكريم من حوله وقوته.أمدك الولي الكبير بالحجة ونصر بك أولياءه …آمين